تفسير سورة الإنسان

تفسير ابن أبي زمنين

تفسير سورة سورة الإنسان من كتاب تفسير القرآن العزيز المعروف بـتفسير ابن أبي زمنين.
لمؤلفه ابن أبي زَمَنِين . المتوفي سنة 399 هـ
تفسير سورة ﴿ هل أتى على الإنسان ﴾ وهي مكية كلها.

قَوْله: ﴿هَل أَتَى﴾ يَعْنِي: قَدْ أَتَى ﴿عَلَى الإِنْسَانِ﴾ يَعْنِي: آدَمَ ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لم يكن شَيْئا مَذْكُورا﴾ فِي الْخَلْقِ وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ مَذْكُورٌ أَنَّهُ خَالِقُهُ خَلَقَ اللَّهُ أُصُولَ الْخَلْقِ فِي الْأَيَّامِ السِّتة، وَخَلَقَ آدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ آخِرَ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ.
يَحْيَى: عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ قَالَ: ((قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يكن شَيْئا مَذْكُورا﴾ فَرَفَعَ صَوْتَهُ، وَقَالَ: يَا لَيْتَهَا تَمَّتْ))
يَحْيَى: عَنْ أَشْعَثِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ: ((أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَذَ تِبْنَةً مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي هَذِهِ التِّبْنَةُ، يَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، يَا لَيْتَنِي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، يَا لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ شَيْئا يذكر)).
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يَعْنِي: نسل آدم ﴿أمشاج﴾ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ: يَعْنِي: مَشَجَ مَاءُ الرَّجُلِ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ.
69
قَالَ محمدٌ: يُرِيدَ اخْتِلاطَ مَاءِ الرَّجُلِ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ، يُقَالُ مَشَجْتُهُ فَهُوَ مشيج. ﴿نبتليه﴾ نختبره.
70
﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل﴾ أَيْ: بصَّرناه سَبِيلَ الْهُدَى وَسَبِيلَ الضَّلَالَة ﴿إِمَّا شاكرا﴾ مُؤمنا ﴿وَإِمَّا كفورا﴾.
قَالَ محمدٌ: (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كفورًا) هُمَا نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، الْمَعْنَى: شَاكِرًا أَوْ كَفُورًا، كَأَنَّهُ قَالَ: هديناه فِي هَذِه الْحَال.
تَفْسِير سُورَة الْإِنْسَان من آيَة (٥ - ١٨)
﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ يَعْنِي: الْخَمْرَ ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: كَافُورًا عينٌ فِي الْجنَّة، اسْمهَا: كافورا
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يفجرونها تفجيرا﴾ أَيْ: تَجْرِي لَهُمْ بِعَيْنٍ كَمَا أَحبُّوا
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَره مُسْتَطِيرا﴾ (ل ٣٨١) أَيْ: قَاسِيًا وَشَرُّهُ عَلَى الكُفَار.
70
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ: اسْتَطَارَ الْحَرِيقُ إِذا انْتَشَر، واستطار الْفجْر إِذا انْتَشَر الضَّوْء.
71
﴿ويطعمون الطَّعَام على حبه﴾ أَيْ: عَلَى حَاجَاتِهِمْ إِلَيْهِ ﴿مِسْكِينًا ويتيما وأسيرا﴾ يَعْنِي: الْأَسِيرَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ((كَانَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم يَدْفَعُ الْأَسِيرَ إِلَى الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: احْبِسْ هَذَا عِنْدَكَ. فَيَكُونُ عِنْدَهُ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ، فَكَانُوا يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أُولَئِكَ الْأَسْرَى فَأَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِم بذلك)).
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ: قَالُوا: هَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَنْطِقُوا بِهِ، فَعَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَأَثْنَى بِهِ عَلَيْهِم
﴿يَوْمًا عبوسا قمطريرا﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي: تَعْبَسُ فِيهِ الْوُجُوهُ، وَالْقَمْطَرِيرُ: الشَّدِيدُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: يُقَالُ لِلْمُعْبَسِ الْوَجْهَ: قمطريرٌ وقُمَاطِرٌ.
﴿ولقاهم نَضرة﴾ فِي وُجُوههم ﴿وسرورا﴾ فِي قُلُوبهم.
﴿ودانية عَلَيْهِم ظلالها﴾ يَعْنِي: ظِلالَ الشَّجَرِ.
71
قَالَ مُحَمَّد: (الأرائك) وَاحِدُهَا: أَرِيكَةٌ، وَهِيَ الحجالُ فِيهَا الْفرش والأسرّة وَنصب (متكئين) عَلَى الْحَالِ؛ الْمَعْنَى: وَجَزَاهُمْ جَنَّةً فِي حَالِ اتِّكَائِهِمْ فِيهَا وَكَذَلِكَ ﴿ودانية عَلَيْهِم ظلالها﴾.
قَوْله: ﴿وذللت قطوفها تذليلا﴾ أَيْ: ذُلِّلَتْ لَهُمْ ثِمَارُهَا يَتَنَاوَلُونَ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنْ قَامَ ارْتَفَعَتْ بِقَدْرِهِ وَإِنْ قَعَدَ تَدَلَّتْ إِلَيْهِ حَتَّى يَنَالَهَا، وَإِنِ اضْطَجَعَ تَدَلَّتْ إِلَيْهِ؛ حَتَّى يَنَالَهَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَاحِدُ (الْقُطُوفِ): قِطْفٌ، وَمعنى: ذللت أُدْنيَتْ.
72
﴿متكئين فِيهَا على الأرائك﴾ عَلَى السُّرُرِ فِي الْحِجَالِ ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ الزَّمْهَرِيرُ: الْبَرْدُ الشَّدِيدُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ شمسٌ وَلا ليلٌ مُظْلِمٌ وَلا حرٌّ وَلا بردٌ يؤذيهم)).
﴿ ودانية عليهم ظلالها ﴾ يعني : ظلال الشجر.
قوله :﴿ وذللت قطوفها تذليلا( ١٤ ) ﴾ أي : ذللت لهم ثمارها يتناولون فيها كيف شاءوا. قال مجاهد : إن قام ارتفعت بقدره وإن قعد تدلت إليه حتى ينالها، وإن اضطجع تدلت إليه ؛ حتى ينالها. قال محمد : واحد ( القطوف ) قطف، ومعنى ذللت أدنيت.
﴿وأكوابٌ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَا مِنْ فضَّة﴾ الْأَكْوَابُ: الْأَكْوَازُ وَاحِدُهَا: كُوبٌ؛ وَهُوَ المُدَوّرُ الْقَصِيرُ الْعُنُقِ الْقَصِيرُ الْعُرْوَةِ، وَمَعْنَى كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَا مِنْ فضَّة؛ أَيْ: يَجْتَمِعُ فِيهَا صَفَاءُ الْقَوَارِيرِ فِي بَيَاضِ الْفِضَّةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنْ تُرَابِ أَرْضِهِمْ قَوَارِيرَ، وَإِنَّ تُرَابَ الْجَنَّةِ فِضَّةٌ، فَهِيَ قَوَارِيرُ مِنْ فِضَّةٍ يَشْرَبُونَ فِيهَا يُرَى الشَّرَابُ مِنْ وَرَاءِ جُدُرِ الْقَوَارِيرِ؛ وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي فِضَّةِ الدُّنْيَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: قَرَأَهُ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ (قَوَارِيرًا قَوَارِيرًا) بِإِثْبَاتِ الْأَلْفِ وَالتَّنْوِينِ؛ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: وَكَانَ حَمْزَةُ يُسْقِطُ الْأَلَفَ مُنْهُنَّ وَلا يُصْرَفْنَ. وَذَكَرَ الزجَّاج: أَنَّ الِاخْتِيَارَ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أَنْ تُقْرَأَ بِغَيْرِ صَرْفٍ قَالَ: وَمَنْ قَرَأَهُ
72
قَوَارِيرًا بِصَرْفُ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ، وَمَنْ صَرَفَ الثَّانِيَ أَتْبَعَ اللَّفْظَ اللَّفْظَ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ رُبَّمَا قَلَبَتْ إِعْرَابَ الشَّيْءِ؛ لِتُتْبِعَ اللَّفْظَةَ اللَّفْظَةَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سلاسلاً وأغلالاً وسعيرًا﴾ الْأَجْوَدُ فِي الْعَرَبِيَّةِ: أَلَّا يُصْرَفُ وَلَكِنْ لَمَّا جُعْلِتْ رَأْسَ آيَةٍ صُرِفَتْ لِيَكُونَ آخِرُ الْآيِ عَلَى لفظ وَاحِد.
﴿قدروها تَقْديرا﴾ أَيْ: فِي أَنْفُسِهِمْ فَأَتَتْهُمْ عَلَى نَحْوِ مَا قَدَّرُوا وَاشْتَهَوْا مِنْ صِغَارٍ وَكِبَارٍ وأوساطٍ، هَذَا تَفْسِيرُ قَتَادَة
73
﴿ قواريرا من فضة ﴾ الأكواب : الأكواز واحدها : كوب ؛ وهو المدور القصير العنق القصير العروة، ومعنى كانت قواريرا قواريرا من فضة ؛ أي : يجتمع فيها صفاء القوارير في بياض الفضة ؛ وذلك أن لكل قوم من تراب أرضهم قوارير، وإن تراب الجنة فضة، فهي قوارير من فضة يشربون فيها يرى الشراب من وراء جدر القوارير ؛ وهذا لا يكون في فضة الدنيا.
قال محمد : قرأه أهل الحجاز وأهل الكوفة ( قواريرا قواريرا ) بإثبات الألف والتنوين ؛ ذكره أبو عبيد قال : وكان حمزة يسقط الألف منهن ولا يصرفن١.
وذكر الزجاج : أن الاختيار عند النحويين أن تقرأ بغير صرف قال : ومن قرأه قواريرا بصرف الأول فلأنه رأس آية، ومن صرف الثاني أتبع اللفظ اللفظ ؛ لأن العرب ربما قلبت إعراب الشيء ؛ لتتبع اللفظة اللفظة٢ وكذلك قوله :﴿ إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا ﴾ الأجود في العربية : ألا يصرف ولكن لما جعلت رأس آية صرفت ليكون آخر الآي على لفظ واحد.
﴿ قدروها تقديرا( ١٦ ) ﴾ أي : في أنفسهم فأتتهم على نحو ما قدروا واشتهوا من صغار وكبار وأوساط، هذا تفسير قتادة.
١ انظر/النشر (٢/٢٩٥)..
٢ انظر الدر المصون (٦/٤٤٤-٤٤٥)..
﴿ويسقون فِيهَا كأسا﴾ وَهِيَ الْخَمْرُ ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا﴾ أَيْ: طَعْمُ ذَلِكَ الْمِزَاجِ طَعْمُ الزّنجبيل.
﴿عينا فِيهَا تسمى سلسبيلا﴾ السَّلْسَبِيلُ: اسْمُ الْعَيْنِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: الْمَعْنَى: (يُسْقَوْنَ عَيْنًا سَلْسَبِيلًا)، وَكَانَتِ الْعَرَب تستطيب الزنجيل، وَتَضْرِبُ بِهِ الْمَثَلُ وَبِالْخَمْرِ مُمْتَزِجِينَ، فَخَاطَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَعْرِفُونَ وَيَسْتَحِبُّونَ فِي الدُّنْيَا، يَقُولُ: لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ مَا تَسْتَحِبُّونَ فِي الدُّنْيَا إِنْ آمَنْتُمْ، وَالسَّلْسَبِيلُ فِي اللُّغَةِ صِفَةٌ لِمَكَانٍ غَايَةٍ فِي السَّلامَةِ وَصُرِفَ؛ لِأَنَّهُ رَأْسُ آيَة. تَفْسِير سُورَة الْإِنْسَان من آيَة (١٩ - ٢٢)
73
تَفْسِير سُورَة الْإِنْسَان من آيَة (٢٣ - ٢٤)
74
قَوْلُهُ: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ لَا يَمُوتُونَ أَبَدًا ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حسبتهم﴾ أَي: شبهتهم ﴿لؤلؤا منثورا﴾ فِي صَفَاءِ أَلْوَانِهِمْ وَالْمَنْثُورُ: أَحْسَنُ مَا يكون
﴿وَإِذا رَأَيْت﴾ أَي: عَايَنت ﴿ثمَّ﴾ يَعْنِي: فِي الْجَنَّةِ ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا وملكا كَبِيرا﴾ الملكُ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ إِلَى الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِالتُّحْفَةِ والهدية الله فَلَا يدْخل (.. (ل ٣٨٢).) حَتَّى يَسْتَأْذِنَ فَيَقُولُ الْبَوَّابُ: سَأَذْكُرُهُ لِلْبَوَّابِ الَّذِي يَلِينِي، فَيَذْكُرُهُ لِلَّذِي يَلِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْبَوَّابَ الَّذِي يَلِي وَلِيَّ اللَّهِ، فَيَقُولُ لَهُ: ملكٌ بِالْبَابِ يَسْتَأْذِنُ. فَيَقُولُ: ائْذَنُوا لَهُ. فَيُؤْذَنُ لَهُ فَيَدْخُلُ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامُ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ عَنْهُ راضٍ وَمَعَهُ التُّحْفَةُ فتوضع بَين يَدَيْهِ.
﴿عاليهم ثِيَاب سندس خضر﴾ وَبَعْضُهُمْ يَقْرَؤُهَا ﴿عَالَيْهِمْ﴾ الْإِسْتَبْرَقُ، وَالدِّيبَاجُ: الصَّفِيقُ الْكَثِيفُ، وَالسُّنْدُسُ: الْخَفِيفُ. ﴿وَحُلُّوا أساور من فضَّة﴾ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أحدٌ إِلَّا وَفِي يَدِهِ ثَلَاثَةُ أَسْوِرَةٍ: سِوَارٌ مِنْ فِضَّةٍ، وسوارٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَسِوَارٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ ﴿وَسَقَاهُمْ رَبهم شرابًا طهُورا﴾.
يَحْيَى: عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ [عَاصِمِ] بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: ((إِذَا تَوَجَّهَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ مَرُّوا
74
بِشَجَرَةٍ يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ سَاقِهَا عَيْنَانِ، فَيَشْرَبُونَ مِنْ إِحْدَاهِمَا، فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ بِنَضْرَةِ النَّعِيمِ، فَلا تُغَبَّرُ أَبْشَارُهُمْ وَلا تشعَّث أَشْعَارُهُمْ بَعْدَهَا أَبَدًا، ثُمَّ يَشْرَبُونَ مِنَ الأُخْرَى فَيَخْرُجُ مَا فِي بُطُونِهِمْ مِنْ أَذًى، ثُمَّ تَسْتَقْبِلُهُمُ الْمَلائِكَةُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ، فَتَقُولُ لَهُمْ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طبتم فادخلوها خَالِدين﴾)).
75
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سعيكم﴾ عَمَلكُمْ فِي الدُّنْيَا ﴿مشكورا﴾ شَكَرَهُ اللَّهُ لَكُمْ؛ فَجَزَاكُمْ بِهِ الْجنَّة
﴿فاصبر لحكم رَبك﴾ لِمَا حَكَمَ عَلَيْكَ فِيهِ وَفَرَضَ ﴿وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما﴾ وَهُوَ الْمُنَافِقُ؛ فِي تَفْسِيرِ الْحَسَنِ أَظْهَرَ الإِسْلامَ وَقَلْبُهُ عَلَى الشِّرْكِ ﴿أَو كفورا﴾ وَهُوَ الْمُشرك الجاحد.
تَفْسِير سُورَة الْإِنْسَان من آيَة (٢٥ - ٣١)
﴿وَاذْكُر اسْم رَبك بكرَة﴾ صَلَاة الصُّبْح ﴿وَأَصِيلا﴾ صَلَاة الظّهْر وَالْعصر
﴿وَمن اللَّيْل فاسجد لَهُ﴾ صَلاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَويلا﴾ هَذَا تطوُّع
﴿إِن هَؤُلَاءِ﴾ يَعْنِي: الْمُشْركين ﴿يحبونَ العاجلة﴾ الدُّنْيَا ﴿ويذرون وَرَاءَهُمْ﴾ أمامهم ﴿يَوْمًا ثقيلا﴾ عَسِيرًا عَلَيْهِمْ؛ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ
(نَحن
75
خلقناهم وشددنا أسرهم} يَعْنِي: خَلْقَهُمْ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: أَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنَ (الْإِسَارِ)، وَهُوَ الْقَدُّ، يُقَالُ: مَا أَحْسَنَ مَا أَسَرَّ قَتَبه، أَيْ: مَا أَحْسَنَ مَا شَدَّه!
﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ﴾ أَيْ: أَهْلَكْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ، وَبَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ: خيرا مِنْهُم.
76
﴿إِن هَذِه تذكرة﴾ إِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَذْكِرَةٌ ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ بِطَاعَتِهِ
﴿إِن الله كَانَ عليمًا﴾ ﴿بخلقه﴾ (حكيمًا} فِي أمره
﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ فِي دينه الْإِسْلَام ﴿والظالمين﴾ ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ (أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} مُوجِعًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: نَصْبُ (الظَّالِمِينَ) عَلَى مَعْنَى: يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ، وَيُعَذُّبُ الظَّالِمِينَ، وَيَكُونُ (أعدّ لَهُم) تَفْسِيرًا لِهَذَا الْمُضْمَرِ (نَصْبُ الظَّالِمِينَ عَلَى مَعْنَى يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَيُعَذِّبُ الظَّالِمِينَ).
76
تَفْسِير سُورَة والمرسلات وَهِي مَكِّيَّة كلهَا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم تَفْسِير سُورَة المرسلات من آيَة (١ - ١٩)
77
سورة الإنسان
معلومات السورة
الكتب
الفتاوى
الأقوال
التفسيرات

سورة (الإنسان) من السُّوَر المكية، نزلت بعد سورة (الرحمن)، وقد ذكَّرتِ الإنسانَ بأصل خِلْقته، وقدرة الله عليه؛ ليتواضعَ لأمر الله ويستجيب له؛ فاللهُ هو الذي جعل هذا الإنسانَ سميعًا بصيرًا؛ فالواجب المتحتم عليه أن تُجعَلَ هذه الجوارحُ كما أراد لها خالقها وبارئها؛ ليكونَ بذلك حسَنَ الجزاء يوم القيامة، ومَن كفر فمشيئة الله نافذةٌ في عذابه إياه، وقد كان صلى الله عليه وسلم يَقرؤها في فجرِ الجمعة.

ترتيبها المصحفي
76
نوعها
مكية
ألفاظها
243
ترتيب نزولها
98
العد المدني الأول
31
العد المدني الأخير
31
العد البصري
31
العد الكوفي
31
العد الشامي
31

* سورة (الإنسان):

سُمِّيت سورة (الإنسان) بهذا الاسم؛ لافتتاحها بذكرِ الإنسان وخَلْقِه من عدمٍ.

* سورة {هَلْ أَتَىٰ} أو {هَلْ أَتَىٰ عَلَى اْلْإِنسَٰنِ}:

سُمِّيت بذلك؛ لافتتاحها به.

كان صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة (الإنسان) في فجرِ الجمعة:

عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ رضي الله عنهما: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قرَأَ في صلاةِ الغداةِ يومَ الجمعةِ: {الٓمٓ ١ تَنزِيلُ} السَّجْدةَ، و{هَلْ أَتَىٰ عَلَى اْلْإِنسَٰنِ}». أخرجه مسلم (٨٧٩).

1. نعمة الخَلْق والهداية (١-٣).

2. مصير الكفار (٤).

3. جزاء الأبرار (٥-٢٢).

4. توجيهٌ للنبي عليه السلام (٢٣-٢٦).

5. وعيدٌ للمشركين (٢٧-٢٨).

6. مشيئة الله تعالى نافذة (٢٩-٣١).

ينظر: "التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم" لمجموعة من العلماء (8 /511).

مقصود السورة الأعظمُ تذكيرُ الناس بأصل خِلْقَتِهم، وأنَّ الله أوجَدهم من عدم، وبَعْثُهم بعد أن أوجَدهم أسهَلُ من إيجادهم؛ ففي ذلك أكبَرُ دلالةٍ على قدرة الله على إحياء الناس وحسابهم.
وفي ذلك يقول ابن عاشور رحمه الله: «محورها التذكيرُ بأنَّ كل إنسان كُوِّنَ بعد أن لم يكُنْ، فكيف يَقضي باستحالة إعادة تكوينه بعد عدمه؟

وإثبات أن الإنسان محقوقٌ بإفراد الله بالعبادة؛ شكرًا لخالقه، ومُحذَّرٌ من الإشراك به.

وإثبات الجزاء على الحالينِ، مع شيءٍ من وصفِ ذلك الجزاء بحالتيه، والإطنابِ في وصفِ جزاء الشاكرين». "التحرير والتنوير" لابن عاشور (29 /371).